حدثت في جمهورية السودان لمعلم في منطقة المناجيل الريفية (إحدى مناطق السودان
قصة حقيقية حدثت في جمهورية السودان لمعلم في منطقة المناجيل الريفية …
قصة حقيقية حدثت في جمهورية السودان لمعلم في منطقة المناجيل الريفية …
ربة المنزل والرسام..
الجزء الاول .
دخلت ياسمين المنزل فوجدت فيه ضرة لها جالسة مع زوجها!
صارت تصيح وتولول فقال لها زوجها شاكر بثبات: إما أن تسلمي على ضرتك دانة أو اذهبي لمنزل اهلك.
شعرت ياسمين بالذل فكيف تعود لأهلها وهم بالكاد يتخلصون من بناتهم بتزويجهن وهي عمرها ثلاثون عاما وعندها ولدين اكبرهما بالعاشرة..
صارت ياسمين تلطم وتقول: طيب لماذا ياشاكر؟ هل قصرت معك؟ والله لقد دفنت نفسي بأعمال البيت والطبخ والأولاد..
قال شاكر وهو يداعب خد دانة :حر.. مزاجي.. أعجبتني هذه القطة الحلوة وأخذتها.. ثم انك اهملت نفسك بالفترة الاخيرة.. انظري تبدين اكبر من عمرك بعشر سنوات..
أسقط بيد ياسمين وانصرفت لغرفتها تبكي.. فدخل شاكر للغرفة وقال: قومي اطبخي هيا.. أريد ان اتغدى وأعود للصيدلية .. على فكرة.. نامي عند اولادك بالغرفة فستنام دانة بغرفتك من الآن فصاعدا وسأجدد الأثاث..
انتفضت ياسمين وصاحت: على جثتي يا شاكر.. فخلع شاكر حزام بنطاله وانهال عليها بالضرب فتعلمت ياسمين منذ ذلك اليوم أن تسكت..
في اليوم التالي فوجئت ياسمين بأهل دانة يدخلون المنزل.. امها واخواتها.. وجلسن بالصالة ودخلن المطبخ واخرجن ما في الثلاجة فعادت لغرفة أولادها وكانت تشعر بالجوع ولم تجرؤ على الدخول للمطبخ.. حاولت الدخول للحمام فكان مشغولا.
صارت ياسمين تحتمل كلام الناس واحتلال أهل ضرتها للمنزل علاوة على ان العمل بالمنزل تضاعف.. واكتوت بالغيرة من تدليل العروس.. لقد باع زوجها ذهبها بحجة توسيع صيدليته وصار يبخل عليها و على اولادها بحجة شظف العيش وإذ به كان يجمع مهر العروس..
شكت لأهلها فكان رد أمها: تستحقين ما حصل لك فأنت زوجة مقصرة..
قالت ياسمين : انا قصرت يا ماما؟ انا دفنت نفسي بأعمال المنزل والتنظيف وووو وتخليت عن كل أحلامي..
قال أبوها : معلش يا ابنتي.. الرجل مل ويريد التغيير.. وهو ابن عمك فتحمليه من أجل عمك..
انعكس اكتئاب ياسمين على اولادها وانخفضت علاماتهم بالمدارس.. خاصة ابنها عادل ذو العشر سنوات الذي يعاني أصلا من صعوبات التعلم وانخفاض علاماته مما يعرضه للتنمر بالمدرسة والضرب من والده الذي يخطط لجعله لصيدلاني مثله.. وزاد عنف والده بعد ان صارت العروسة الجديدة حاملا وتريد النوم طوال النهار فإن انزعجت منهم يصرخ عليهم فصار المنزل متوترا..
كان عادل مثل والدته ياسمين بارع بالرسم ويتمنى أن يصبح رساما لكنه كان يلاقي الاعتراض والاستهزاء من والده الذي كان يعتبر الفن ( تفاهة).. اما ياسمين فبعد زواجها من شاكر صار وقتها لتنظيف المنزل والطبخ والاولاد وخدمة شاكر ونسيت شكل القلم والألوان..
وفوق ذلك لم يكن شاكر يرحمها فعليها الذهاب بالباص للسوق وشراء الحاجات والتنظيف والطبخ بينما العروس تتدلع وتتأنق.. وقالت لها دانة لتغيظها: انت للخدمة وأنا للعشق والحب..
صارت ياسمين تشعر برغبة بالموت وتتمناه ولكن إيمانها بالله والتزامها بالصلاة والقرآن انقذها من محاولات انتحار فقررت ان تدوس على قلبها وكرامتها من أجل طفليها عادل وعبد الله فلم يبق غيرهم بعد ان تحطمت احلامها.. ذات يوم وهي عائدة من السوق شاهدت إعلان لافتتاح مرسم..
تذكرت عشقها للرسم بالمدرسة وكلية الفنون وكيف كانت تقضي حياتها بالمرسم قبل ان تترك كل شيء وتتزوج بعد ان كذب عليها ابن عمها شاكر ووعدها بأن يجعلها تكمل الدراسة بعد الزواج. ..
فكرت بالدخول لتتفرج لكن خافت ان تتأخر عن المنزل والطبخ..
لكنها قالت: سحقا للطبخ ها قد قضيت حياتي اطبخ وانظف واهتم بالصغار وبالنهاية تزوج علي شاكر فتاة اجمل و اصغر فلم لا أتفرج لخمسة دقائق فقط؟
دخلت المرسم واذ به شاب وسيم عمره يبدو بأواخر العشرين. بمكان جديد تفوح منه رائحة الدهان والألوان..
كانت تتصبب عرقا وتلهث وقالت مضطربة وهي تحمل اكياس اللحم والخضار: ممكن ان اتفرج؟
دهش الرسام من منظرها لكنه قال: طبعا تفضلي.. لكن المرسم جديد وليس مرتبا بعد..
نظرت ياسمين للوحات والأدوات والاقلام وشاهد الرسام بعينيها شغفا..
قالت ياسمين بنبرة مرهقة : هل يوجد عندكم تعليم رسم بالألوان الزيتية مثل لوحات مونييه؟ فيعجبني رسمه وطريقة مزجه الألوان..
دهش الرسام من ثقافتها فلا يبدو على هيأتها المزرية انها تفقه شيئا سوى الطبخ والتنظيف.. وقال: نعم طبعا.. وعندنا دورات للاطفال والكبار.. أنا اسمي تيم وأعطي الدورات..
قالت بحزن: اتمنى ان ارسم.. لكن لا وقت لدي.. ولا مال.
قال وهو يحدق بعينيها الجميلتين الحزينتين : اعرف.. ربات البيوت مثلك مظلومات فهي تتعب طوال اليوم ولا تجد تقديرا..
قالت ياسمين : المرسم يبدو كبيرا..
قال تيم::انا انوي توسيع المكان مستقبلا ليشمل الفنون التشكيليه والنحت والفسيفساء وطبعا سأعين موظفين لكن انا سأركز على تعليم الرسم وانواعه..
قالت ياسمين : أنواعه مثل التجريدي والسريالي..
قال تيم: تعرفين التجريدي والسريالي؟
قالت وهي تبتسم ابتسامة حزينة: كنت أدرس الفنون لكن بسبب الظروف لم اكمل.. نعم الفن التجريدي يعتمد على الانحناءات والاشكال المبهمة التي تعبر بالواقع عن شيء ما أما السريالي فأيضا أمور غير واضحة تعبر عن اللاشعور بالانسان.. لكن انا افضل رسمات الواقعية للطبيعة
قال تيم: مثلي فأنا أحب التواصل مع الطبيعة.. أي الألوان تحبين؟
قالت ياسمين بشغف: احب الرسم الزيتي فهو أساس اللوحات منذ قرون طويلة..
قال تيم: نعم لكن كثير لا يفضلونه فهو يحتاج لمزج الألوان بسائل خاص وتأخذ الرسمة وقتا لتجف أما الأكريلك فيجف بسرعة..
ياسمين بحزن: اتمنى ان ارسم لوحات لمنزلي لكن لا يوجد وقت..
قال تيم : الرسم التجريدي سهل ومناسب لديكورات المنزل وممكن ان اعطيكي سعر مخفض ل..
قالت بتوتر: لا يوجد مال ولا وقت..
رن هاتفها فجأة فأخرجته من الحقيبة بيد مرتعشة وكان زوجها شاكر.. ومن فرط الخوف أجابت وبالخطأ وضعت على مكبر الصوت..
صاح شاكر: أين أنت يا متخلفة هاتفتك عدة مرات وقالت دانة انك لم تعودي للآن.. الويل لك...
قالت ياسمين بحرج: قادمة.. قادمة..
ثم اغلقت الخط وقالت بحرج: علي ان اذهب للحاق بالباص..
قال تيم بحزن وهو ينظر للأكياس الثقيلة : باص؟ لا يوجد معك سيارة؟
قالت بتوتر: لا لا.. أنا تأخرت.. آسفة أزعجتك بكلامي.. يجب أن أعود.. رباااه.. سيوبخني..
ثم خرجت مستعجلة وهي تلملم أكياس اللحمة والخضار .
لم يعرف الرسام لم وقف يراقبها من بعيد..
يراقب اللوحة الجميلة الحزينة التي لطختها هموم السنين..