ربة المنزل والرسام. الجزء الثالث

ربة المنزل والرسام. الجزء الثالث
المؤلف معلومات وقصص مفيدة
تاريخ النشر
آخر تحديث


 

ربة المنزل والرسام. الجزء الثالث 


صارت ياسمين تأخذ ولديها يوميا عند تيم قبل مجيء الطلاب.. فيعلمهم أساسيات الرسم.. كان تدريبهم بالمجان فبعد ان عرف تيم الجحيم الذي يعيشون فيه بسبب الأب الفاسد وانه الملاذ الوحيد لهم صار يشعر بالسعادة.. اعطى تيم عادل وعبود دروسا بالرسم بقلم الرصاص اولا ودفاتر لينقلوا عليها الرسمات..

أما ياسمين فبدات فعليا برسم لوحة بقصد تلوينها بألوان الزيت فراجع تيم معها أساسيات الرسم الزيتي وكيفية مزج الالوان وخلطها مع الوسط لتثبيتها. 

وقال لها تيم ان تختار رسمة لتبدأ برسمها اولا بقلم الرصاص وثم تلوينها.. 

وأشار لها لرف خاص فيه دفاتر مصورة فيها صور لينقل منها الرسام.. وكان تيم قد قسم الدفاتر للمبتدئين والمحترفين فذهبت ياسمين لقسم المحترفين وقلبت بالدفاتر.. كانت رائحة الألوان تنتشر بكل مكان فتبعث في قلبها شعور بالنشوة.. 

كان هناك دفاتر خاصة بالفاكهة والحيوانات والعمارة وجسم الإنسان.. 

اختارت ياسمين ان ترسم جزءا من مدينة البندقية الايطالية لانبهارها بفن العمارة والمدينه بشكل عام.. فوجيء تيم فهو ايضا يحب مدينة البندقيه بل وزارها مرة عندما اخذ دورات هناك بفن العمارة.

كان عند تيم بالمرسم آلة للمشروبات.. فصنع للولدين مشروب شوكولاتة ساخن وله ولياسمين كابتشينو ليشعران انهما بإيطاليا وشغل موسيقى ايطالية هادئة فشعرت ياسمين انها فتحت بابا سحريا نقلها من كابوس الواقع لجنة الخيال.. 

جلس تيم قليلا بجوار عادل وعبد الله ثم وقف بجانب ياسمين وذهل من موهبتها الفذة فبرغم مرور 11 عاما على توقفها عن الرسم لا تزال أناملها تتمتع بذات الموهبة.. 

قالت ياسمين كطفل صغير: سيد.. سيد تيم.. انا.. لا أعرف كيف اشكرك على سماحك لنا بالمجيء هنا.. انت.. انت ملاك ارسله الله لنا.. 

ثم مسحت دمعة تسللت على خدها.. 

قال تيم: ياسمين وجودك هنا شرف لي فانت فنانة رائعة واتمنى ان تعملي هنا معي.. 

قالت ياسمين بحزن: لم أكمل دراستي الجامعية.. 

قال تيم: لا تهمني شهادتك لكن موهبتك وابتسامتك وقدرتك على نقل المعلومة للأطفال والكبار.. 

قالت ياسمين بحزن: يالله كم اتمنى ذلك.. لكن مستحيل للأسف. 

تجرأ تيم وحدق بعيني ياسمين فسحره جمالها لكنه سرعان ما اخفض عينيه خجلا فهي ملك لشخص آخر. شخص لا يقدرها وجعلها تشعر أنها قبيحة ومستهلكة. كلما تحدث معها تيم اكثر كلما لاحظ الصفات المشتركة بينه وبينها.. حب الفن والعمارة ورسم الحضارات وتاريخ عظماء الفن والتدقيق بتفاصيل الطبيعة. 

قال تيم بنفسه: لو التقيت معك يا ياسمين بظروف مختلفة لكنت الآن زوجتي.. 

وكأن عبد الله كان يقرأ أفكاره فقال: عمو تيم.. ممكن ان تتزوج ماما؟ فأنا لا أحب بابا وأريدك ان تكون بابا.. 

اضطربت ياسمين وقالت: عبود! 

قال تيم مضطربا: عندك بابا يا عبود واكيد يحبك.. 

قال عبود: انه لا يحبنا ولا يحب ماما وصار بالفترة الاخيرة يضربنا ويضرب ماما بل وتزوج فتاة اصغر منها.. 

صاحت ياسمين : اسكت يا عبود.. 

ثم وقفت وقالت : سنرجع للبيت.. 

هجم عليها الطفلان وتعلقا بثيابها وصاح عبود: خلينا عند عمو تيم يا ماما.. لا تعيدينا للبيت.. سأسكت والله سأسكت. 

دمعت عينا تيم وتذكر ابناء شقيقته الراحلة اللذان بعمر عادل واللذان اعترفا له بقسوة والدهم وكتمانهم الموضوع بناء على طلب والدتهم.. 

قال تيم: يا مدام ياسمين هؤلاء أطفال يقولون ما يخطر ببالهم ويبدو ان الأجواء بالبيت متوترة فدعيهم يأتون عندي يوميا بالمرسم والله أشعر بالسعادة عندما يحضرون. 

كان تيم يعطي ياسمين وطفليها بالطو خاص بالرسم حتى لا تتوسخ ثيابهم ويقومون بغسل يديهم جيدا حتى تختفي آثار الألوان لأنهم يأتون للمرسم دون موافقة شاكر.. 

لكن في يوم عاد شاكر من الصيدلية فاستقبلته دانة بالاحضان أما ياسمين وقفت بعيدا.. 

فتضايق شاكر لانه بدأ يشعر ان ياسمين لم تعد تهتم به ولم تعد تغار وصارت الافكار تلعب برأسه.. كان يريد ان لا تفكر ياسمين سوى به حتى يعذبها اكثر ويذلها اكثر وكانت فكرة ان تعيش ياسمين حياتها او تفكر بغيره تذبحه.. 

قال شاكر مبتسما: كيف حالك حبيبتي ياسمين؟ 

قالت ياسمين باستهزاء : حبيبتي؟ ما هذه اللهجة الغريبة؟ هل انا ببرنامج الكاميرا الخفية؟ 

استشاط شاكر غضبا وقرر ان يجعلها تحبه ثانية ليحطم قلبها مرة أخرى وأخرى وأخرى.. 

قال باسما: انت حبيبتي وروحي وعمري.. هيا نتعشى سويا.. 

بعد العشاء الذي قامت ياسمين بإعداده، جلس شاكر وحاول تمثيل دور الأب الطيب فنادى عادل ليجلس بجانبه وسأله عن يومه.. 

لكن شاكر لاحظ على طرف كم عادل لون غريب فاقترب منه بحجة انه يريد عناقه وشمه واذ برائحة ألوان غريبة عالقة به. 

فكتم شاكر الموضوع وصمم على ان يتحرى الأمر.. 

باليوم التالي خرج من الصيدلة وبقي يراقب فوجد ياسمين والأطفال متجهين نحو المرسم فتبعهم حتى عرف اسم المرسم وهم بالدخول لكنه وقف وقال: ليس الآن يا شاكر.. الجائزة الكبرى لمن ينتظر! 

وفي يوم كان الأطفال وياسمين جالسين يرسمون مع حول تيم بالمرسم كالعادة قبل بدء الحصص.. وإذ بشاكر يدخل ومعه رجل من الزعران فيمسك احدهم تيم وينهال شاكر على ياسمين باللكمات امام الأطفال.. 

صاح تيم: يالك من مجرم اتركها.. سأجعلك تدفع الثمن غاليا.. 

لكن ياسمين نزلت على قدم شاكر تقبلها أمام تيم والاولاد حتى صفح عنها.. 

صاح تيم: ياسمين انت تستحقين حياة أفضل. اتركيه يا ياسمين.. اجعلي حياتك أولا.. لا أحد على هذه الأرض قادر على ان يعطيك السعادة سواك يا ياسمين. 

قال شاكر بغيظ: ياسمين لن تدمر عائلتها من أجل نصائح اخرق مثلك... انها زوجة صيدلاني مرموق ليس مجرد رسام تافه مثلك.. 

قال تيم: اتركيه ياسمين.. اطلبي الطلاق.. 

قال شاكر : تظن انني لا اعرف نواياك؟ انت تخطط لخطف زوجتي مني.. لن اسمح لك يا حثالة.. 

ثم نزل شاكر والرجل وخلفه ياسمين والأطفال وتيم يستشيط غضبا وصار يذرع المرسم مجيئة وإيابا ويمسك الدفاتر ويلقيها على الأرض من شدة الغضب والخوف على ياسمين والطفلين لكن ما عساه يفعل وهو لا علاقة بهم أبدا ولا يستطيع تدمير أسرة ياسمين أو يتخذ اي قرار.. 

وكأن اللكمات التي أخذتها ياسمين لم تكن كافية، فقد كان شاكر يضمر لها شرا.. 

عندما عادت امرها بترتيب غرفته وترتيب خزانة دانة.. 

ثم جاء شاكر معه الحزام وصرخ: يا عادل.. احضر كتاب الرياضيات يا حمار. 

قالت ياسمين بتوسل : دعني انا سأدرسه.. 

قال شاكر : لذا علاماته دائما منخفضة لانك حمارة تدرسين حمار. 

نزلت الدموع من عيني ياسمين وقالت: افهم يا شاكر.. عادل يعاني من صعوبات تعلم.. الامر ليس بيده.. 

صاح شاكر : لكنه بارع بالرسم أليس كذلك؟ حمار مثل أمه.. سيتعلم ويركز رغما عنه بالضرب والعنف ويصبح صيدلانيا مرموقا مثل أبيه... 

لكن عادل أجهش بالبكاء وتبول على نفسه من الخوف.

قالت ياسمين وهي تضمه: لا تخف حبيبي.. لن اجعله يقترب منك ولو على جثتي.. 

اقربت دانة من شاكر وقبلته أمام الجميع ليهدأ وقالت: حبيبي لا تؤذي عادل.. فهذا لن ينفع بل يزيد الأمور سوءا.. 

ثم وضعت يد شاكر على بطنها وقالت بدلال :غدا أنجب لك من سيرفع راسك حبي.. 

هدأ شاكر قليلا وألقى الحزام وقال : اذا فليبق عادل حمار مثل أمه.. سأنزل للمقهى عند أصدقائي أفضل. 

تعلقت به دانة وقالت بدلع: حبيبي فلندخل لغرفتنا.. 

لكن شاكر دفعها فجأة وقال: ابتعدي عني انت الاخرى! 

ابتسمت ياسمين.. كانت هذه اول مرة تبتسم فيها في هذا البيت منذ مدة طويلة.. 

عصر اليوم التالي كان عبد الله وعادل يشعران بالملل فقد منعهما والدهما من الخروج من المنزل بتاتا فصارا يلعبان ( شرطة وحرامي) داخل المنزل.. 

قامت دانة تتهادى ببيجاما شفافة وهي تضع يدها على بطنها وقالت: سأقول لأبيكما عنكما يا شيطانان.. 

قالت ياسمين: طفلان ويشعران بالملل هل تريدين منهما ان يجلسا كأنهما بمدرسة.. 

قالت دانة بدلع: ممم يبدو انك غيرانة لان شوشو اشترى لي كريمات بنكهة زهور االكرز وثياب نوم حريرية فهو يعشق الرومنسية مني أنا.. انت فقط مجرد خادمة وانا للعشق والحب.. 

قال عادل: خالة دانة.. لا تتحدثي مع ماما بهذا الشكل.. 

قالت دانة بدلع: انظري ابنك الحمار يحدق بجسدي.. يا ياسمين ربيه قبل ان تدافعي عنه.. 

وضعت ياسمين يديها على رأسها وقالت : يالك من مريضة.. عادل عمره 10 سنوات فقط.. 

قالت دانة: لكن شوشو يغار علي حتى من ابنه.. قولي لعادل ان يجلس بغرفته فسأتمدد هنا واكشف عن ساقاي.. 

قال عادل بتحد: ولماذا انظر لغوريلا مثلك؟ ان بابا أعمى لانه نظر إليك.. 

قالت دانة: سترى يا عادل.. سأقول لأبيك عنك.. 

قالت ياسمين بسرعة : عادل طفل صغير يا دانة.. لا تأبهي لكلامه.. ارجوك لا تقولي لشاكر..

قالت دانة بدلع: هيا اعتذر يا عادل.. 

قال عادل بحقد: أفضل أن يربطوني بذيل بقرة على ان اعتذر لغوريلا مثلك.. 

ثم صار عادل يقفز هو عبدالله ويصرخان وهما يلعبان فصاحت دانة: سترون.. سأخبر أباكم يا قليلي التربية.. 

مساء عاد شاكر وكانت دانة قد ارتدت فستانا قصيرا وتزينت وتعطرت وما أن دخل شاكر حتى ارتمت بين احضانه امام ياسمين وطفليها.. فقبلها شاكر وضمها وصار يضع يده على بطنها وهو يهمس بأذنها بكلام الحب.. 

قالت ياسمين بغيظ : عيب.. ليس أمام الاولاد يا شاكر.. 

قالت دانة وهي تخرج لسانها : ستموين من الغيظ لان شوشو يحبني ويدللني وحدي .. ستموتين.. 

قالت ياسمين بتحد : ضعي شوشو في مرتبان وخلليه.. لم يعد يهمني.. لكن تصرفاتكما عيب امام اطفال على ابواب المراهقة. 

استشاط شاكر غضبا: وماذا فعلنا؟ أنت تموتين غيظا من دانة لانها بالعشرين وأنت بالثلاثين.. 

قالت دانة بدلال: بيبي نوووو... انا 19 فقط..

قال عادل بحقد: انتي غوريلا واسنانك مخيفة..! لا أدري كيف ينظر بابا لك.. 

قال عبد الله: بابا شرير أما عمو تيم فطيب القلب.. ليته أبي.. 

جن جنون شاكر عندما سمع اسم ( تيم) فتناول عصا التأديب وحاول ضرب الأطفال فركضت ياسمين وسحبت العصا وضربته بها ففي تلك اللحظة لم يعد يهمها شيء.. فصار الأطفال يصرخون.. 

قام شاكر بسحب العصا من ياسمين وانهال عليها ضربا وضرب اطفاله الذين حاولو الدفاع عنها.. 

لكن عندما فقدت ياسمين الوعي وسالت الدماء على وجهها خاف شاكر وهرب من المنزل.. 

فركض عبود ذو الثمان سنوات نحو دانة خائفا يبكي فضمته وضميرها يؤنبها وبقيا بوضع التجمد لا يدريان ماذا يفعلان.. 

أما عادل ذو العشر أعوام فخرج من البيت وصار يركض ويركض ويركض بين الشوارع حتى وصل المرسم وصعد الدرجات وهو يجهش بالبكاء.. وكان تيم بحصة مع أطفال فدخل عنده وقال تيم : عادل؟ ماذا هناك؟ 

هوى عادل على الأرض وصاح: عمو تيم.. الحق.. ماما تموت. 


يتبع ....


تعليقات

عدد التعليقات : 0